الجمعة ، ١٩ يونيو ٢٠٢٠ الساعة ٠٩:٤٤ مساءً

في حمأة النقاش حول ما تضمنته اللائحة التنفيذية لقانون الزكاة (المعدل) حول "خمس بني هاشم".. وبعيدا عن آراء المذاهب وخلافاتها، ثم بعيدا أيضا عن حرية الشتم والشتم الآخر ..    دعونا هنا نحاور العقل ونستنطق جوهر الاسلام وثوابته في نقاط عابرة ومختصرة، لنتبين الحقيقة  ونعملها أن شئنا..!!

1. الأصل في الاسلام هو العدالة والمساواة وما عداه اراء  واجتهادات (تخطئ وتصيب) لكنها إذا طعنت في عدالته فهي تفقده هويته وتجرده من قيمه الانسانيه..

  والاية الكريمة تقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ  أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )..  صدق الله العظيم.

والنص هنا بين وواضح،  ولغته مشرقة كالشمس، وليست بحاجة لنقاش أو تفسير من فقيه أو محدث أو مجتهد .

والحديث النبوي يقول: (الناس سواسية كاسنان المشط  لا فضل لعربي على اعجمي  إلا بالتقوى) - مجمع عليه، وهو أولا واخيرا يتساوق مع النص  القراني ويتفق مع العقل والمنطق .   ما وافق العقل: 2. هناك قاعدة قال بها المتكلمون من المعتزلة واعتمدتها الزيدية ايضا..  هذه القاعدة تقول: (ما وافق العقل فهو من الدين وما لم يوافقه فليس منه في شيء) .. بمعنى أن التمييز بين فئات المجتمع، أو التشريع لتفضيل فئة على أخرى لا بد أن يكون  عملا ينافي العقل، وبالتالي هو بالتأكيد  يتناقض مع الشرع الذي وحد بين الناس وجعلهم متساوون في الحقوق والواحبات.

العدالة: 3. الزكاة هي ركن من اركان  الاسلام ولا خلاف في ذلك .. (وبرغم  تعدد الآراء والمفاهيم في  انواعها ومقاديرها)، لكنها جاءت لتحقيق العدالة الاحتماعية، ولاستفادة كل فئات المحتمع ..    

  وتحقيق العدالة في الاسلام وفي كل الشرائع يقتضي بالضرورة  المساواة بين الناس على اسس وطنية وانسانية، وليس على أساس التمييز  العرقي أو الديني أو القبلي أو الطائفي..

ما يعني ان الهدف الأول والأخير  من الزكاة بمسمياتها وتفصيلاتها المختلفة (الخمس، والعشر، والثمن، وربع الثمن، والسدس..الخ ) هو:  - محاربة الاحتكار ..  - وسد حاجة الفقراء واشباع الجوعى والمعوزين . - والحد من الفوارق بين الاغنياء والفقراء .. وحتى لا تكون فتنة. نعم ، وحتى لا تكون فتنة..

وكما أن هذه المهام هي  من مسئولية الدولة، يكون  من مسئوليتها أيضا جباية اموال  الزكاة أو الضرائب لخدمة ومصلحة المجتمع .. 

من العطايا إلى المشاريع : كانت الزكاة في العصور الاسلامية الأولى تساق لبيت المال وتصرف باشراف ولي الامر ..  ثم تطورت الحياة والمعاملات واستبدلت بيوت المال بوزارات المالية أو الخزانة العامة،  ووضعت خطط تنموية ومشاريع  يتم على أساسها خدمة الناس والمجتمع.. بدلا عن توزيعها كعطايا وهبات.

ثم تاليا، تغير  أسلوب جباية  (الزكاة) واصبحت في زمن  القوانين تجبى بمسميات رسوم وضرائب  مختلفة .. ولكن مصارفها تذهب لمصالح  عامة الناس (مباشرة وغير مباشرة)، وهي التي تتحقق بها مصلحة  الدولة والمجتمع على حد سواء. 

والخلاصة: أن جباية الزكاة بمسمياتها المختلفة، والخمس بصورة خاصة، لصالح فئة بعينها في المجتمع.. هو خطأ فادح (ربما) وقع فيه المشرع  عن غير قصد .. وهو -بالتأكيد- سيدرك  بعد المراجعة أن تشريعا كهذا لا يقره دين ولا يقبل به  عقل، ولا يتوافق مع منطق، فضلا عن أنه مخالف للدستور  ولكل شرائع الكون .. ولا يستبعد أن يكون إثارة لفتنة جديدة ومستدامة في مجتمع انهكته الحروب وفتكت به الاوبئة..!!

ومن هنا، يتضح ان المشرع .. اعني  من أعد اللائحة التنفيذية لقانون الزكاة (المعدل) وقع في خطأ كبير.. واعتقد أن العيب لن يكون في التراجع عن الخطأ بقدرما سيكون في الاصرار عليه.. 

واذا كانت هناك مشكلة عند مجتهد أو متبرع في التراجع فليأنس إلى القاعدة الفقهية التي تجيز "درء المفاسد بالشبهات"..

وفي الختام: نقطة أخيرة أريد الاشارة اليها، وهي أن الجمع بين جباية الزكوات والمكوس، او الضرائب، لا يتفق برايي مع جوهر عدالة الاسلام، مصداقا لقوله تعالى:  (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) صدق الله العظيم..    ثم من بديهيات القول أن يكون المواطنون .. كل المواطنين في ظل الدولة.. أي دولة متساوون في الحقوق والواحبات .. وان على الورق .. "واذا بليتم فاستتروا".. ! مجرد وجهة نظر  اردت  أن اخاطب بها العقل .